الجد أبو أم سميرة

الجد أبو أم سميرة

بقلم هناء وهبة

يناير 2012

فتّحت سميرة عينيها على الدنيا فوجدت جدها ذراع القوة الذي تعتمد عليها بعد ما توفت والدتها وهي لا تزال طفلة في رياض الأطفال. لم تتذكر سميرة شيئاً عن والدها إذ لم تحتفظ والدتها بأيّ من صوره ولم تحكي لها عنه فسرعان ما ذاب من ذاكرتها واستحوذ الجد على كل وجدانها

أحبت سميرة جدها وأحبت بزته المطرزة التي كانت تضفي عليه أناقة خاصة وشعرت بالزهو وهي تحدث الصديقات عنه فهو حاميها والمدافع عن قضاياها والمحارب لجميع حروبها وفضلاً عن ذلك فهو قاهر المخاوف والقلق فمنتهى راحة البال والطمأنينة في أن تختبيء تحت ظل جناحيه وتجد الآمان عنده.. علاوة على ذلك عُرف بصرامته وقوة جأشه فذاع صيته شرقاً وغرباً وحُكيت بطولاته التي تناقلها الجيران فلم يجرؤ أحد على التعرض لها أو مضايقتها

عَمل الجد في الماضي البعيد فتوة في أحد الملاهي الليلية لحساب إحدى الراقصات في عصر الملك ولما قامت الثورة أشرق عليه فجرعهد جديد فسرعان ما ترك الماضي بحلوه ومره وطوى ذكرياته المُسرة والمُخزية وصمم أن يبدأ من جديد … وكان قوي العزيمة فلم تقهره العقبات التي وُضعت في طريقه وأنطلق بخطى ثابتة نحوعصر جديد

عَزَف عن الغانيات والراقصات وأصحاب الصالات وتزوج من سيدة محترمة: جميلة الملامح، رشيقة القوام، مثقفة على أعلى درجة، تحب الشعر والموسيقى وجميع ألوان الفنون الراقية، تتحدث الفرنسية والانجليزية، وتعشق الحضارة والمدنية… أقبل جد سميرة على هذه الحياة الجديدة بلهفة ولكونه سريع البديهة لمّاح، سرعان ما تعلم أرقى ما فيها فتغيرت عاداته وأمزجته وأيضاً اهتماماته .. حتى قسمات وجهه تغيرت حتى لم يتعرف عليه أحد ممن عرفه في الماضي.

وفي ذات يوم تشاجر أبو سميرة معه وهدده بذكر ذلك الماضي المُشين فأصدر عليه حكمه الصارم بلا هوادة ونفاه للأبد من دنيا الناس.  مات أبو سميرة ولم يُذكر مطلقاً وكأنه ما كان.. فلما ماتت أم سميرة أضحى الجد المسئول الأول والأخير عنها

 مرت السنين وكبرت سميرة في شقة فسيحة يزورها النسيم العليل وتكسوها الشمس بلونها الذهبي فتضفي عليها جمالاً خاصاً إلى المغيب وبها شرفة مطلة على أجمل بقاع النيل ويلتحق بها فناء صغير… أحبت سميرة البيت الذي إرتبطت به منذ الصغر وتفانت في أن تجعل منه جنة ليسعد جدها. كانت تقوم بجميع أعمال المنزل من تنظيف وتلميع الموبيليا بإعتناء شديد وغسل وكي الملابس وطهي الطعام وعندما تذهب أو تجيء كانت تجمع الزهور وتضعها في الصالة الكبيرة لتملأ البيت برائحة الفل والياسمين والقرنفل حسب المواسم ولم تتأفف سميرة مطلقاً من ارهاق الأعمال المنزلية التي كانت تتزايد مع الوقت لكنها تفننت في الاعتناء بأدق التفاصيل .. سعدت بالمنزل وأحبت لمساتها الفنية في تنسيق بعض التحف القديمة التي كانت جدتها تهوى جمعها. وبين الحين والآخر كان الجد يدعوها لتغني له فتنشد بصوت عذب وتشيد بالحياة الهانئة في كنفه حتى أصبح الإنشاد تقليداً تبدأ به كل يوم فلا يخرج الجد حتى يستمع الى نشيد الصباح

كان الجد يقضي مع سميرة معظم أوقات فراغه يراقب عملها في البيت ويشيد بذوقها الرفيع قائلاً : “بتفكريني بجدتك. ألف نور ورحمة عليها” ولكنه مع الوقت انشغل عنها وأهمل طلباتها البسيطة لتتمكن من الاعتناء بالمنزل بالقدر اللائق .. فاضطرت سميرة أن تتهاون في بعض أعمال التنظيف والتنسيق وتعايشت بالامكانات المتاحة وتدريجياً تغيرت ملامح الشقة الجميلة وصارت قديمة بالية ضاقت بهما من كثرة الكراكيب التي تراكمت مع السنين وصار الأثاث في حالة متهالكة وباتت ألوان المفروشات باهتة متسخة .. حتى الورود لم تعد تزين الفناء الملحق بالبيت فأضطرت سميرة أن تضع في الزهرية بعض الورود الصناعية التي كانت ملاذاً للأتربة وبدلاً من أن تضيف جمالاً زادت البيت قبحاً

تذكرت سميرة يوم زارتها الصديقات وانبهرن ببيتها فأخذتهن في جولة سريعة من غرفة الى غرفة  واستمتعن بمنظر النيل الساحر الذي ازداد جمالاً مع الغروب ثم تلألأ بأنوار المقاهي والفنادق وأخذ يرقص ويتمايل على أعذب الأنغام .. وتذكرت كم كانت فخورة بإنجازات جدها في البيت والفناء فكان البيت تحفة فنية والفناء غني بأشجار الفاكهة والزهور ولكن الدنيا لم تعد على حالها وأصبح الجدار الداخلي للشقة معتم ببقع سوداء وباتت الستائر رثة والأثاث مخزي علاوة على الفناء الذي أصبح أرضاً بور مشققة وبه كوم لا بأس به من القمامة تعيش فوقها أسراب من الذباب … تألمت سميرة لأن البيت يمثل كل حياتها: ماضيها وحاضرها ومستقبلها وبدونه لا معنى لحياتها

استغاثت سميرة بجدها “البيت متهالك وهايقع علينا يا جدي!”

 جاء صوتها خافتاً وسط زحام الأصوات التي تعالت من حوله واستحوذت على كل اهتمامه .. هنا صفقة رابحة وهناك فرصة العمر فأضحى مشغول البال منهكاً من صفقة الى أخرى .. وعد ولم يفي. انشغل إلى درجة أنه كان يخرج قبل ما تنتهي من الإنشاد على مسامعه وكأنه لا يسعد بصوتها العذب الرقيق كما كان يسعد به من ذي قبل.

“اكتبي كل طلباتك .. أطلبي يا بنتي” فكانت سميرة تكتب الاحتياجات على ورقة وتتركها له مع الغليون والسبحة اللذين لا يفارقان يده ولكن مشغولياته التي لا تنتهي حالت بينه وبين تلبية طلباتها البسيطة … اضطرت سميرة أن تقضي أياماً بأكملها على كوب من الشاي وكسرة خبز وكانت لا تأكل اللحم إلا في المواسم عندما ترسل لها الجارات هدايا من الذبائح، ليس لأن الجد معذور لا سمح الله وإنما لأنه مشغول ليل نهار بالمفاوضات مع هذا ومع ذاك، وعندما يعود إلى المنزل يكون باله مشغولاً بمناورة جديدة

“أما يا بت يا سميرة عملت حتة دين صفقة .. جدك مش أي حد ”
قالت باستحياء “ممكن يبقى أشتري فستان للعيد”

استنكر الجد جرأتها وقال “كله في أوانه … كل ما لي فهو لك، هو أنا باعمل ده كله لمين؟!”

وجاء يوم العيد فنزلت سميرة إلى الشارع لمقابلة الصديقات والجارات … عيد سعيد يا سميرة

بدا اليوم هادئا جميلا وازداد جمالاً في دفء شمس الشتاء السخية التي ملأت سماء القاهرة الصافية .. فتوافد الجميع إلى الحدائق التي سرعان ما اكتظت بالمعيدين الذين حملوا الحلوى والأعلام وتبادلوا التحيات والتهنئة بالعيد. وفي غضون ساعات معدودة بدت القاهرة عائلة واحدة ممتدة وذاب فى دفء مشاعرها الرقيقة العذبة جموع الشبان والفتيات، الرجال والنساء والأطفال على اختلافهم. علت الزغاريد ورنت نغمة تنبئ بالأمل في جميع أنحاء القاهرة التي ارتدت زينتها وتعطرت كأنما حظت بلقاء العشق الممنوع. التقي الشباب معاً بلهفة شديدة وكأن الجميع على موعد مع الحب الضائع الذي تجدد مع قدوم العيد وأخذوا يهتفون لإخوانهم الواقفين في الشرفات لينزلوا ويحتفلوا معهم، فتدفقت الأعداد كالشلال القوي الذي لا سبيل للوقوف في طريقه وامتلأت شوارع القاهرة بجموع المعيدين وعلت الهتافات وتألقت الأعمال النارية ..

التقت سميرة بالصديقات وتبادلن الأحلام البريئة والأمنيات لمستقبل سعيد

“أنا عمري ما شفت الدنيا حلوة بالشكل ده .. قلبي حاسس أن الفرح ده هايدوم”

“يا رب خير … الفرح ده إحنا مش متعودين عليه وكل ما نضحك ولا نفرح تيجي مصيبة وتحط علينا”

“أنتِ على طول متشائمة”

وما لبثت أن انتهت من هذه العبارة حتى زحف سيل من السحب السوداء واستقرت حيث كن واقفات. في لمح البصر انقلب الجو الصافي إلي سماء ملبدة بالغيوم ثم انهال سيل من الأمطار فرّق المعيدين بلا رفق ولا حياء ودوي زئير الرعد المخيف يستهذيء بهم ويستنكر فرحهم فأخذوا يجرون من هنا ومن هناك وأضأت سماء القاهرة بشعلات من البرق .. ساد وجوم علي الجموع التي ذُعرت من هذا التغيير المفاجئ ولم تتوقع مثل هذا الهجوم الشرس من الطبيعة الرقيقة الساكنة … هرعت سميرة مهرولة إلى المنزل وإذا بوميض البرق يقع على النافذة التي تركتها مفتوحة من لهفتها للخروج رغم تحذيرات جدها المتكررة: “الشباك ده ممكن يجيب لنا مصيبة .. خليه دايماً مقفول”

اشتعلت النيران وألتهمت الكثير من الأثاث قبل السيطرة عليها

عند عودته، رأى الجد الخراب الذي حل بالبيت، فنظر إلى سميرة نظرة ملؤها اللوم وقال بصوت يغلب عليه الشفقة “يصعب عليّ أن أراك تدفعين ثمن ما فعلتِ … يا عيني يا بنتي … أنتِ من اليوم مديونة لي بثمن البيت وجميع الخسائر الفادحة التي وقعت بممتلكاتي… عمرك كله يا صغيرتي لن يكفي”. وبدا عليه التأثر وهو يتخيل المستقبل المظلم الذي ينتظر سميرة.

قضى الجد ليلته يكتب في كتابه الصغير أرقاماً كثيرة متناثرة ثم قام بعمليات حسابية مختلفة وفي الصباح قال لسميرة “حبيبتي، عليكِ بالحساب العادل اثنين مليون وخمسمائة وثلاثون ألف جنيهاً

وسبعون قرشاً بالتمام والكمال. أنا أعلم أن هذا الرقم مُفزع وصعب عليك استيعابه ولكنه دين واجب السداد .. أنتي مش عارفة التحف القديمة دي كانت تسوى ايه”

نظرت إليه سميرة وغلبها الذهول

أعدت سميرة الإفطار بإعتناء شديد كما كانت عادتها ثم أنشدت لجدها بناء على طلبه وإذا به يأخذها  من يدها إلي بيت الحاج صالح الذي كان معروفاً عنه أنه يقدّر عذرية الصغيرات وها هي بنت جميلة لم تتعدى الثامنة عشر مكتملة الأنوثة ملفوفة القوام مكتنزة النهدين كما أنها ست بيت من الدرجة الأولى.

 تأملها الحاج صالح طويلاً،  فهو يعرف الكثير عن محاسنها وطالما استرق النظر إليها وهي تسير مع الفتيات ولكنه لم يقوى على مفاتحة جدها الذي عُرف بالصرامة وخصوصاً في شئون سميرة … أخيراً في أمل … وشعر أن طاقة من السماء قد انفتحت له وأن دعاه سيُستجاب بعد طول انتظار

تفاوض الحاج صالح مع الجد طويلاً وراجع أدق التفاصيل بشدة متناهية ودون أدنى حرج ثم قام عن مجلسه وفتح الباب واستدعى سميرة ورتب على كتفها ثم أخرج عدسته المكبرة وراح يتفحصها بتدقيق ولم يتردد في أن يقيس طولها ثم أخذ مقاس الصدر والخصر ثم وضعها على الميزان وقال بهدوء وبلا استحياء “تزيد 5 كيلو جرام عن الوزن المثالي .. مش سهل اضبط الوزن … وطبعاً الصراحة واجبة” فقال له الجد بلطف غير معهود  “بسيطة يا حاج … البنت كاملة من كله وأنا جيت لك قبل أي حد تاني لأني واثق من مفهوميتك”  فقال الحاج صالح “جميلك على رأسي بس سيبني أفكر.. المبلغ مش شوية” فضجر الجد بالحاج المُستغل وقال في نفسه “أما أنك كافر يا شيخ .. البنت بنت بنوت وألف من يتمناها .. بكره تندم”

أنهى الجد الإجتماع بدون مقدمات وأمسك بيد سميرة واتجه نحو الباب . . حاول الحاج استبقائه ليشربا معاً قدحاً من القهوة أما هو فلم يرد بكلمة وعقد حاجبيه وخرج بعد ماعقد العزم على إقامة مزاداً علنياً في أقرب فرصة لعرض سميرة البنت البكر لمن يدفع الأكثر .. في واقع الأمر هو اختار الحاج لأنه رجل تقي يعرف الله وسيحسن معاملتها ومعاشرتها وهو رجل مقتدر حاله ميسور

توسلت سميرة لجدها “أنا كنت مخبية على حضرتك بس أنا وعمرو بنحب بعض وتواعدنا على الزواج ووالده الدكتور مظهر كان ناوي يجي يفاتح حضرتك” وإذا بالجد يصفعها بكل قوته “هي حصلت؟ بتحبي؟” فانزوت تبكي

تجاهل الجد سميرة باقي اليوم وبعد أن تغلبت على الإهانة حاولت جاهدة أن تستسمحه وتفاتحه في الموضوع ولكنه عزف عن الحديث معها تماماً وأنتاب سميرة خوف شديد من غضب جدها ولكنها كانت واثقة في حبه لها وخففت عن نفسها “جدي سريع الغضب بس هو طيب وشوية وهايندم على ضربي وأكيد مش هايكسر بخاطري”

بعد يومين من القطيعة التامة إذا بالجد يقترب منها ويمسح دموعها برفق

“خدي يا سميرة حق الفستان اللي كان نفسك فيه”

نست سميرة الصفعة والألم والإهانة والقطيعة في لمح البصر وطبعت قبلة على يد جدها ثم خرجت على عجلة لتشتري فستاناً جميلاً يظهر مفاتنها كانت قد اختارته من فترة وتمنت أن يكون الفستان الذي ستقابل به عائلة عمرو يوم يطلب يدها للزواج

عندما رجعت سميرة وجدت الجد ومعه ضيف غريب فألقت عليهما التحية ودخلت المطبخ لتقوم بتحضير واجب الضيافة فإذا بالرجل الغريب يدخل وراءها وبدون كلمة يجذبها بعنف ويحاول نزع ملابسها، ذُهلت سميرة وراحت تصيح وتستنجد بجدها ولكنها فوجئت بالجد يدخل ويغلق الباب ويطوقها من الخلف بذراعيه ليتمكن الغريب منها  .. قاومت سميرة بكل قوتها وحاولت كل الحيل من الوقوع على الأرض واستخدام ساقيها في إبعاد الرجل ولكن قبضة جدها الحديدية كانت أقوى من كل محاولاتها فتمكن منها الرجل وقام بالكشف عليها وأطلق يديه بحرية تامة على جسدها الذي اقشعروأنكمش من هول التعدي ولكنه لم يبالي بمشاعرها فأخذ يراجع الكشف ويعيده ويتمعن في وضع يديه على خصوصيات جسدها … تدفقت دموعها غزيرة وبعد ما استنفذ المهمة بهدوء يشوبه نوع غريب من المتعة تركها تبكي بدل الدمع دماً

“طمنني يا دكتور دياب”

“البنت لا غبار عليها يا باشا”

“أشكرك .. أنا كنت واثق من تربيتي بس أولاد الحرام ما خلوش لأولاد الحلال حاجة واحنا داخلين على مرحلة دقيقة والشفافية واجبة”

لازمت سميرة حجرتها وحاولت أن تدافع عن نفسها وحبها بطريقة سلمية متحضرة فوضعت ورقة على باب الحجرة وكتبت عليها

 “حضرتك دايماً بتدافع عن حرية التعبير عن الرأي وأنا من حقي أختار من أحب وجسدي حقي أنا فقط ولا أحد يمكن أن يكون وصيّاً على جسدي”

أشعل هذا الكلام غضب الجد جداً فأقدم بإصرار شديد على المزاد

فلما جاء يوم المزاد زيّن الجد سميرة بيديه وهيأها في أحسن صورة ليضمن أن تسير الأمور كما قد رسم ودعا الله أن يوفقه فينتهي من هذه المهمة ويضمن الثمن كاملاً دون الإحتياج لإنتظار دفعات تقسيط

دق جرس الباب مع صلاة الفجر وإذا بالحاج صالح قد جاء للصلاة جمعاً مع الجد ثم اجتمعا طويلاً في غرفة الضيوف ونادى الجد على سميرة لتحضر الفطور وتنشد له في محضر الحاج وكأنما ليريه شيئاً من قدرات سميرة الغير معروفة واستطاع الجد بذكائه أن ينتزع من الحاج سعراً مغرياً أكثر من السعر المطلوب ولكن في هذه الاثناء إكتظ فناء البيت بمئات الراغبين. تعالت الأصوات وارتفع السعر جداً قبل بداية المزاد. تحدث الكثيرون عن مفاتن سميرة ولطف حديثها وحسن إدارتها لشئون المنزل، وصغر سنها وحلاوة معشرها، فارتفع السعر لأضعاف الدين .. فقال الجد “أديني فرصة يا حاج .. يظهر أني كنت متواضع جداً في توقعاتي … أديك سامع بودنك الناس بتنادي بكام” ولكن الحاج صالح لم تنقصه الفطنة ولا حلاوة اللسان واستمر يواظب على الطلب حتى أنتزع موافقة الجد النهائية ووقع له على شيك على بياض

“سميرة تساوي ثقلها ذهب وأنا شاري ورضاك عني يكفيني .. وأنا مستعجل .. عاوز الدُخلة تبقى بكره بإذن واحد أحد … بس المشكلة في الناس دي كلها … كله طمعان يا باشا … هانعمل ايه في المصيبة دي”

“ما تشيلش هم … سيب الطلعة دي عليّ”

بعد ساعات خرج الجد إلى جموع المنتظرين وصاح بهم

 “أنتم ما عندكمش ضمير.. فاكرين سميرة سلعة تبيعوا وتشتروا فيها. كلكم انتهازيون. كلكم أوغاد. لا يمكن أن أبيع دمي ولحمي”

نظر الحاضرون بعضهم لبعض وتعجبوا جداً فعلت الأصوات محتجة وأخرج البعض ايصالات مقدم المزاد

“احنا دافعين المقدم”

“ده حقنا”

“الإعلان عليه اسم حضرتك والعنوان … مش ممكن نكون كلنا غلطانين”

ولكنه كان يعنفهم بعبارات قوية

“أنتم رجال؟ فين النخوة؟ المغرضين ما أكثرهم وأصحاب الأجندات والعملاء يعملوا أكتر من كده لكن أنتم مستعدين تبيعوا ضمائركم؟ ياخسارة ألف خسارة على الرجال .. ده بدل ما تبحثوا معي على الأصابع الخفية اللي قامت بالوقيعة دي؟”

استمر يصيح وهم يتقهقرون إلى أن خلت الساحة من الجميع إلا الجد وسميرة، فسحبها الجد من يدها ودخل الدار وأغلق الباب

أما الأستاذ مرسي الذي كان متمرساً في المزادات رجع مرة أخرى وتوارى خلف الجدارإلى أن غابت الشمس

“أنا مش مصدق وفي ايدي الإعلان ودفعت المقدم .. لازم الموضوع فيه إن .. مش هاتحتح من هنا . على جثتي”

تسلق السور بخفة فسمع الجد والحاج صالح وقد انهمكا في دورشطرنج مثير والي جوارهما الراديوالذي على بنغمات “لسه فاكر قلبي يديلك آمان” لكوكب الشرق وتمتم كلاهما اللحن وهما ينظران الى رقعة الشطرنج وضحكا ملياً وهما يشربان القهوة وسادت مودة على أطراف الحديث الى أن سمع “كش ملك” وتبعتها لحظة من الصمت الرهيب ثم تعالت أصوات شجار وارتفعت النبرات وتقاذف الاثنين التُهم القوية .. جذب الحاج صالح ذراع سميرة بحركة سريعة ولكن الجد أمسك بذراعها الآخرى وأخذا يجتذبانها بقسوة

About hanaawahba

Dr. Hanaa Wahba was born and educated in Cairo, Egypt. After her BA, she started a teaching career that she is still pursuing. In 2002, she completed her PhD in Education from the University of Kensington, USA. Throughout her teaching career, Dr. Wahba, worked in a number of schools and private universities, taught ESL, English Literature, supervised and developed curricula and directed schools. Her career extended to teacher training and corporate career development. From 1993 till 2002, Dr. Wahba was employed by the University of Cambridge (UCLES), where she gained first-hand experience of setting exams and marking scripts for IGCSE, an experience that she communicated to many young teachers who joined the field. In 2009, Dr. Wahba published her first book that was very well-received by the media and proved very popular among readers. Her following book “Marwa’s Birthday” is a novel about women’s life in Egypt.
This entry was posted in Short Story. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s